RSS

Category Archives: مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه

صفة قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ج5

قال خليفة بن خياط : حدثنا ابن علية ، ثنا ابن عون عن الحسن قال : أنبأني وثاب قال : بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فقال : ما يريد الناس ؟ قال : ثلاث ليس من إحداهن بد . قال : ما هن ؟ قال : يخيرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول : هذا أمركم فاختاروا من شئتم ، وبين أن تقص من نفسك ، فإن أبيت فإن القوم قاتلوك . فقال : أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه الله ، وأما أن أقص لهم من نفسي ، فوالله لقد علمت أن صاحبي بين يدي قد كانا يعاقبان ، وما يقوم بدني بالقصاص ، وأما أن يقتلوني ، فوالله لئن قتلتموني لا تحابون بعدي أبدا ، ولا تصلون بعدي جميعا أبدا ، [ ص: 306 ] ولا تقاتلون بعدي عدوا جميعا أبدا . قال : وجاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب ورجع ، وجاء محمد بن أبي بكر في ثلاثة عشر رجلا ، فأخذ بلحيته فقال بها حتى سمعت وقع أضراسه ، فقال : ما أغنى عنك معاوية ، وما أغنى عنك ابن عامر ، وما أغنت عنك كتبك . قال : أرسل لحيتي يا ابن أخي . قال : فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه – يعني أشار إليه – فقام إليه بمشقص فوجأ به رأسه . قلت : ثم مه ؟ قال : ثم تعاوروا عليه والله حتى قتلوه .

وقال سيف بن عمر التميمي ، رحمه الله ، عن الغصن بن القاسم ، عن رجل ، عن خنساء مولاة أسامة بن زيد وكانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان أنها كانت في الدار ، ودخل محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته وأهوى بمشاقص معه ليجأ بها في حلقه ، فقال : مهلا يا ابن أخي ، فوالله لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به . فتركه وانصرف مستحييا نادما ، فاستقبله القوم على باب الصفة ، فردهم طويلا حتى غلبوه فدخلوا ، وخرج محمد راجعا ، فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان ، فضرب بها رأسه فشجه ، [ ص: 307 ] فقطر دمه على المصحف حتى لطخه ، ثم تغاووا عليه ، فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف ، ووثبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت وألقت نفسها عليه ، وقالت : يا بنت شيبة أيقتل أمير المؤمنين ! وأخذت السيف فقطع الرجل يدها ، وانتهبوا متاع الدار ، ومر رجل على عثمان ورأسه مع المصحف ، فضرب رأسه برجله ونحاه عن المصحف وقال : ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن ، ولا مضجع كافر أكرم . فلا والله ما تركوا في داره شيئا حتى الأقداح إلا ذهبوا به .

وروى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف ، ولم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار ، وأحرقوا الباب ودخلوا عليه ، وليس فيهم أحد من الصحابة ولا أبنائهم إلا محمد بن أبي بكر ، وسبقه بعضهم فضربوه حتى غشي عليه وصاح النسوة فانذعروا وخرجوا ، ودخل محمد بن أبي بكر ، وهو يظن أنه قد قتل ، فلما رآه قد أفاق قال : على أي دين أنت يا نعثل ؟ قال : على دين الإسلام ، ولست بنعثل ، ولكني أمير المؤمنين . فقال : غيرت كتاب الله . فقال : كتاب الله بيني وبينكم . فتقدم إليه وأخذ بلحيته وقال : إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول : [ ص: 308 ] ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا [ الأحزاب : 67 ] . وشحطه بيده من البيت إلى باب الدار وهو يقول : يا ابن أخي ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي . وجاء رجل من كندة من أهل مصر يلقب حمارا ويكنى ، بأبي رومان . وقال قتادة : اسمه رومان . وقال غيره : كان أزرق أشقر . وقيل : كان اسمه سودان بن رومان المرادي . وعن ابن عمر قال : كان اسم الذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة – وبيده السيف صلتا فقال : أفرجوا . ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه ، ثم وضع ذباب السيف في بطنه واتكأ عليه وتحامل حتى قتله ، وقامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها ، رضي الله عنها .

ويروى أن محمد بن أبي بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت حلقه . والصحيح أن الذي فعل ذلك غيره ، وأنه استحيى ورجع حين قال له عثمان : لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها . فتذمم من ذلك وغطى وجهه ورجع وجاحف دونه فلم يفد ، وكان أمر الله قدرا مقدورا وكان ذلك في الكتاب مسطورا .

[ ص: 309 ] وروى ابن عساكر ، عن ابن عون ، أن كنانة بن بشر ضرب جبينه ومقدم رأسه بعمود حديد ، فخر لجنبه ، وضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خر لجنبه فقتله ، وأما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره وبه رمق ، فطعنه تسع طعنات وقال : أما ثلاث منهن فلله ، وست لما كان في صدري عليه .

وقال الطبراني : حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي وإسحاق بن داود الصواف التستري ، قالا : ثنا محمد بن خالد بن خداش ، ثنا سلم بن قتيبة ، ثنا مبارك ، عن الحسن قال : حدثني سياف عثمان أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال : ارجع يا ابن أخي فلست بقاتلي . قال : وكيف علمت ذاك ؟ قال : لأنه أتي بك النبي ، صلى الله عليه وسلم ، يوم سابعك فحنكك ودعا لك بالبركة . ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء . ثم دخل محمد بن أبي بكر فقال : أنت قاتلي . قال : وما يدريك يا نعثل ؟ قال : لأنه أتي بك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم سابعك ليحنكك ويدعو لك بالبركة ، فخريت على رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . قال : فوثب على صدره وقبض على لحيته ، ووجأه بمشاقص كانت في يده . هذا حديث غريب جدا وفيه نكارة .

[ ص: 310 ] وثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم [ البقرة : 137 ] . ويروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه . وليس ببعيد ، فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن .

وروى ابن عساكر أنه لما طعن قال : بسم الله توكلت على الله فلما قطر الدم قال : سبحان الله العظيم .

وقد ذكر ابن جرير في ” تاريخه ” بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر ، فيه الأمر بقتل بعضهم ، وصلب بعضهم ، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم ، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان متأولا قوله تعالى إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم [ المائدة : 33 ] . وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان ، رضي الله عنه ، من جملة المفسدين في الأرض ، ولا شك أنهم كذلك ، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه ، ويزور على خطه وخاتمه ، ويبعث غلامه على بعيره بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر ، بخلاف ذلك كله ، ولهذا لما [ ص: 311 ] وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه ، وظنوا أنه من عثمان ، أعظموا ذلك ، مع ما هم مشتملون عليه من الشر ، فرجعوا إلى المدينة ، فطافوا به على رءوس الصحابة ، وأعانهم على ذلك قوم آخرون ، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان ، رضي الله عنه ، فلما قيل لعثمان ، رضي الله عنه ، في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة وجمهور المصريين ، حلف بالله العظيم – وهو الصادق البار الراشد – أنه لم يكتب هذا الكتاب ولا أملاه على من كتبه ، ولا علم به فقالوا له : فإن عليه خاتمك . فقال : إن الرجل قد يزور على خطه وخاتمه . قالوا : فإنه مع غلامك وعلى جملك . فقال : والله لم أشعر بشيء من ذلك . فقالوا له بعد كل مقاله : إن كنت قد كتبته فقد خنت ، وإن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك وأنت لا تعلم فقد عجزت ، ومثلك لا يصلح للخلافة ; إما لخيانتك ، وإما لعجزك .

وهذا الذي قالوا باطل على كل تقدير ، فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب – وهو لم يكتبه في نفس الأمر – لا يضره ذلك ; لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الإمام ، وأما إذا لم يكن قد علم به فأي عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه وزور على لسانه ؟ ! وليس هو بمعصوم بل الخطأ والغفلة جائزان عليه ، رضي الله عنه ، وإنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة ظلمة مفترون ، ولهذا صمموا بعد هذا على حصره والتضييق عليه حتى منعوه الميرة والماء والخروج إلى المسجد ، وتهددوه بالقتل ، ولهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد وهو أول من منع منه ، ومن وقفه بئر رومة على المسلمين وهو أول من منع ماءها ، ومن أنه سمع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله إلا بإحدى ثلاث ; النفس بالنفس والثيب [ ص: 312 ] الزاني ، والتارك لدينه المفارق للجماعة وذكر أنه لم يقتل نفسا ، ولا ارتد بعد إيمانه ، ولا زنى في جاهلية ولا إسلام ، بل ولا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم . وفي رواية بعد أن كتب بها المفصل . ثم ذكر لهم من فضائله ومناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه والرجوع إلى الطاعة لله ولرسوله ولأولي الأمر منهم ، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي والعدوان . ومنعوا الناس من الدخول إليه والخروج من عنده ، حتى اشتد عليه الحال ، وضاق المجال ، ونفد ما عنده من الماء ، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب علي بنفسه وحمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه بعد ما ناله من جهلة أولئك كلام غليظ ، وتنفير لدابته ، وإخراق عظيم بليغ ، وكان قد زجرهم أتم الزجر ، حتى قال لهم فيما قال : والله إن فارس والروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل ، والله إنهم ليأسرون فيطعمون ويسقون . فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار ، وجاءت أم حبيبة راكبة بغلة وحولها حشمها وخدمها ، فقالوا : ما جاء بك ؟ فقالت : إن عنده وصايا بني أمية لأيتام وأرامل ، فأحببت أن أذكره بها . فكذبوها في ذلك ، ونالها منهم شدة عظيمة ، وقطعوا حزام البغلة وندت بها ، وكادت أو سقطت عنها ، وكادت تقتل لولا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها ، ووقع أمر كبير جدا ، ولم يبق يحصل لعثمان وأهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا ، فإنا لله وإنا إليه راجعون .

[ ص: 313 ] ولما وقع هذا أعظمه الناس جدا ، ولزم أكثر الناس بيوتهم ، وجاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج ، فقيل لها : إنك لو أقمت كان أصلح ، لعل هؤلاء القوم يهابونك . فقالت : إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالني منهم من الأذية ما نال أم حبيبة . فعزمت على الخروج .

واستخلف عثمان ، رضي الله عنه ، في هذه السنة على الحج عبد الله بن عباس ، فقال له عبد الله بن عباس : إن مقامي على بابك أجاحف عنك أفضل من الحج . فعزم عليه فخرج بالناس إلى الحج ، واستمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق ورجع البشير من الحج ، فأخبر بسلامة الناس ، وأخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين . وبلغهم أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة ، وأن عبد الله بن سعد بن أبي سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن حديج ، وأن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاع بن عمرو في جيش ، وأن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش ، فعند ذلك صمموا على أمرهم وبالغوا فيه وانتهزوا الفرصة بقلة الناس وغيبتهم في الحج ، وأحاطوا بالدار ، وجدوا في الحصار ، وأحرقوا الباب ، وتسوروا من الدار المتاخمة للدار ; كدار عمرو بن حزم وغيرها ، وجاحف الناس عن عثمان أشد المجاحفة ، واقتتلوا على الباب قتالا شديدا ، وتبارزوا وتراجزوا بالشعر في مبارزتهم ، وجعل أبو هريرة يقول : هذا يوم طاب امضراب . وقتل طائفة من [ ص: 314 ] أهل الدار ، وآخرون من أولئك الفجار ، وجرح عبد الله بن الزبير جراحات كثيرة ، وكذلك جرح الحسن بن علي ، ومروان بن الحكم فقطع إحدى علباويه ، فعاش أوقص حتى مات .

ومن أعيان من قتل من أصحاب عثمان ، زياد بن نعيم الفهري ، والمغيرة بن الأخنس بن شريق ، ونيار بن عبد الله الأسلمي ، في أناس وقت المعركة .

ويقال : إنه انهزم أصحاب عثمان ثم تراجعوا . ولما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم ، فانصرفوا – كما تقدم – فلم يبق عنده أحد سوى أهله ، فدخلوا عليه من الباب ومن الجدران ، وفزع عثمان إلى الصلاة وافتتح سورة طه – وكان سريع القراءة – فقرأها والناس في غلبة عظيمة ، قد احترق الباب والسقيفة التي عنده ، وخافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال ، ثم فرغ عثمان من صلاته وجلس وبين يديه المصحف ، وجعل يتلو هذه الآية : الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل [ آل عمران : 173 ] فكان أول من دخل عليه [ ص: 315 ] رجل يقال له : الموت الأسود . فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه ، وجعلت نفسه تتردد في حلقه ، فتركه وهو يظن أنه قد قتله ، ثم دخل ابن أبي بكر فمسك بلحيته ، ثم ندم وخرج ، ثم دخل عليه آخر ومعه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها . فقيل : إنه أبانها . وقيل : بل قطعها ولم يبنها . إلا أن عثمان قال : والله إنها لأول يد كتبت المفصل . فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية : فسيكفيكهم الله وهو السميع العليم [ البقرة : 137 ] . ثم جاء آخر شاهرا سيفه ، فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه ، وأخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها ، ثم إنه تقدم إليه ، فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه ، رضي الله عن عثمان وأرضاه .

وفي رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبي بكر فضربه بحديدة في يده ، ورفس المصحف الذي بين يديه برجله ، فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان ، رضي الله عنه ، وسالت عليه الدماء ، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فمانعته نائلة ، فقطع أصابعها ، فولت فضرب عجيزتها بيده ، وقال : إنها لكبيرة العجيزة . وضرب عثمان فقتله ، فجاء غلام عثمان فضرب [ ص: 316 ] سودان فقتله ، فضرب الغلام رجل يقال له : قتيرة . فقتله .

وروى ابن جرير أنهم أرادوا حز رأسه بعد قتله ، فصاح النساء وضربن وجوههن ; فيهن امرأتاه نائلة وأم البنين وبناته ، فقال ابن عديس : اتركوه ! فتركوه . ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه ، وذلك أنه نادى مناديهم : أيحل لنا دمه ولا يحل لنا ماله ! فانتهبوه ، ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان وقتيلين معه ، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قتيرة فقتله ، وجعلوا لا يمرون على شيء إلا أخذوه ، حتى استلب رجل يقال له : كلثوم التجيبي ، ملاءة نائلة ، فضربه غلام لعثمان فقتله ، وقتل الغلام أيضا ، ثم تنادى القوم : أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه . فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا : يا قوم النجاء النجاء ! فإن هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من أن قصدهم قيام الحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وغير ذلك مما ادعوا أنهم إنما قاموا لأجله ، وكذبوا إنما قصدهم الدنيا . فانهزموا وجاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال وكان فيه شيء كثير جدا .

[ ص: 317 ] وقد ذكر ابن عساكر في ترجمة سهم بن خنبس أبي خنبش أو خنيس الأزدي وكان قد شهد الدار – ورواه محمد بن عائذ ، عن إسماعيل بن عياش ، عن محمد بن يزيد الرحبي ، عنه وكان قد استدعاه عمر بن عبد العزيز إلى دير سمعان ، فسأله عن مقتل عثمان ، فذكر ما ملخصه أن وفد الأشقياء وهم وفد مصر كانوا قد قدموا على عثمان فأجازهم وأرضاهم ، فانصرفوا راجعين ، ثم كروا إلى المدينة ، فوافقوا عثمان قد خرج لصلاة الغداة أو الظهر ، فحصبوه بالحصا والنعال والخفاف ، فانصرف إلى الدار ومعه أبو هريرة والزبير وابنه عبد الله وطلحة ومروان والمغيرة بن الأخنس في أناس ، وأطاف وفد مصر بداره ، فاستشار الناس ، فقال عبد الله بن الزبير : يا أمير المؤمنين إني أشير بإحدى ثلاث خصال ; إما أن تحرم بعمرة فتحرم عليهم دماؤنا ، وإما أن نركب معك إلى معاوية بالشام ، وإما أن نخرج فنضرب بالسيف إلى أن يحكم الله بيننا وبينهم ، فإنا على الحق وهم على الباطل . فقال عثمان : أما ما ذكرت من الإحرام بعمرة فتحرم دماؤنا فإنهم يرونا حلالا الآن وحال الإحرام وبعد الإحرام ، وأما الذهاب إلى الشام فإني أستحيي أن أخرج من بينهم خائفا فيراني أهل الشام وتسمع الأعداء من الكفار ذلك ، وأما القتال فإني أرجو أن ألقى الله وليس يهراق بسببي محجمة دم . قال : ثم صلينا معه صلاة الصبح ذات يوم فلما فرغ أقبل على الناس فقال : إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة [ ص: 318 ] فقالا لي : صم يا عثمان فإنك تفطر عندنا . وإني أشهدكم أني قد أصبحت صائما ، وإني أعزم على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخرج من الدار سالما مسلوما منه . فقلنا : يا أمير المؤمنين ، إن خرجنا لم نأمن منهم علينا ، فائذن لنا أن نكون في بيت من الدار تكون لنا فيه جماعة ومنعة . ثم أمر بباب الدار ففتح ، ودعا بالمصحف فأكب عليه وعنده امرأتاه بنت الفرافصة الكلبية وابنة شيبة ، فكان أول من دخل عليه محمد بن أبي بكر فأخذ بلحيته ، فقال : دعها يا ابن أخي فوالله لقد كان أبوك يتلهف لها بأدنى من هذا . فاستحيى فخرج فقال للقوم : قد أشعرته لكم . وأخذ عثمان ما امتعط من لحيته فأعطاه إحدى امرأتيه ، ثم دخل رومان بن سودان ، رجل أزرق قصير مخدد ، عداده من مراد معه جرز من حديد ، فاستقبله فقال : على أي ملة أنت يا نعثل ؟ فقال عثمان : لست بنعثل ولكني عثمان بن عفان ، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا مسلما وما أنا من المشركين . فقال : كذبت . وضربه بالجرز على صدغه الأيسر فقتله فخر ، فأدخلته بنت الفرافصة بينها وبين ثيابها – وكانت امرأة جسيمة ضليعة – فألقت نفسها عليه ، وألقت بنت شيبة نفسها على ما بقي من [ ص: 319 ] جسده ودخل رجل من أهل مصر بالسيف مصلتا فقال : والله لأقطعن أنفه . فعالج المرأة عنه ، فغلبته ، فكشف عنها درعها من خلفها حتى نظر إلى متنها ، فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها ، فقبضت على السيف فقطع أناملها ، فقالت يا رباح لغلام عثمان أسود – يا غلام ادفع عني هذا الرجل . فمشى إليه الغلام فضربه فقتله ، وخرج أهل البيت يقاتلون عن أنفسهم ، فقتل المغيرة بن الأخنس وجرح مروان . قال : فلما أمسينا قلنا : إن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به . فاحتملناه إلى بقيع الغرقد في جوف الليل ، وغشينا سواد من خلفنا فهبناهم وكدنا أن نتفرق عنه ، فنادى مناديهم : أن لا روع عليكم ، اثبتوا إنما جئنا لنشهده معكم – وكان أبو خنيس يقول : هم ملائكة الله – فدفناه ثم هربنا إلى الشام من ليلتنا ، فلقينا الجيش بوادي القرى عليهم حبيب بن مسلمة .

Advertisements
 

صفة حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ج4

 لما وقع ما وقع يوم الجمعة ، وشج أمير المؤمنين عثمان وهو في رأس المنبر ، وسقط مغشيا عليه ، واحتمل إلى داره ، تفاقم الأمر وطمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس وألجئوه إلى داره وضيقوا عليه ، وأحاطوا بها محاصرين له ، [ ص: 286 ] ولزم كثير من الصحابة بيوتهم ، وسار إليه جماعة من أبناء الصحابة عن أمر آبائهم ; منهم الحسن والحسين ، وعبد الله بن الزبير – وكان أمير الدار – وعبد الله بن عمر ، وصاروا يجاحفون عنه ، ويناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم ، وأسلمه بعض الناس رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا ، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه أو يسلم إليهم مروان بن الحكم ، ولم يقع في خلد أحد أنه يقتل ، إلا ما كان في نفس أولئك الخارجين عليه .
وانقطع عثمان عن المسجد ، فكان لا يخرج إليه إلا قليلا في أوائل الأمر ، ثم انقطع بالكلية في آخره ، وكان يصلي بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب . 
وقد استمر الحصر أكثر من شهر . وقيل : أربعين يوما . حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدا ، رضي الله عنه ، على ما سنبينه إن شاء الله تعالى .
والذي ذكره ابن جرير أن الذي كان يصلي بالناس في هذه المدة وعثمان محصور طلحة بن عبيدالله . 
وروى الواقدي أن عليا صلى أيضا ، وصلى [ ص: 287 ] أبو أيوب وصلى بهم سهل بن حنيف ، وكان يجمع بهم علي ، وهو الذي صلى بهم بعد .
وقد خاطب الناس في غبون ذلك بأشياء ، وجرت أمور سنورد منها ما تيسر . وبالله المستعان . 

قال الإمام أحمد : حدثنا بهز ، ثنا أبو عوانة ، ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال : قال الأحنف : انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة ، فبينما نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال : الناس في المسجد .
فانطلقت أنا وصاحبي فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد قال : فتخللتهم حتى قمت عليهم ، فإذا علي بن أبي طالب والزبير وطلحة وسعد بن أبي وقاص .
قال : فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشي .
فقال : هاهنا علي ؟ 
قالوا : نعم .
قال : أهاهنا الزبير ؟ 
قالوا : نعم .
قال : أهاهنا سعد ؟ 
قالوا : نعم .
قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم قال : من يبتاع مربد بني فلان غفر الله له فابتعته فأتيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فقلت : إني قد ابتعته .
فقال : ” اجعله في مسجدنا وأجره لك ” ؟
قالوا : نعم .
قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو ، أتعلمون أن رسول ، صلى الله عليه وسلم ، قال : من يبتاع بئر رومة ؟
. [ ص: 288 ] فابتعتها بكذا وكذا ، فأتيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم .
فقلت : إني قد ابتعتها – يعني بئر رومة –
فقال : اجعلها سقاية للمسلمين ولك أجرها ” ؟
قالوا : نعم .
قال : أنشدكم بالله الذي لا إله إلا هو أتعلمون أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة .
فقال : من يجهز هؤلاء غفر الله له فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما ولا عقالا ؟
قالوا : اللهم نعم .
فقال : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد .
ثم انصرف . 
ورواه النسائي من حديث حصين .
وعنده : إذ جاء عثمان وعليه ملاءة صفراء . 

طريق أخرى : قال عبد الله بن أحمد : حدثني عبيد الله بن عمر القواريري ، حدثني القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري ، حدثني أبو عبادة الزرقي الأنصاري ، من أهل المدينة ،عن زيد بن أسلم ، عن أبيه قال : شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز ، ولو ألقي حجر لم يقع إلا على رأس رجل ، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلي مقام جبريل .
فقال : أيها الناس أفيكم طلحة ؟ 
فسكتوا .
ثم قال : أيها الناس أفيكم طلحة ؟ 
فسكتوا .
ثم قال : أيها الناس أفيكم طلحة ؟ 
فقام طلحة بن عبيد الله .
فقال له عثمان : ألا [ ص:289 ] أراك هاهنا ؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع ندائي آخر ثلاث مرات ثم لا تجيبني ، أنشدك الله يا طلحة ، تذكر يوم كنت أنا وأنت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في موضع كذا وكذا ، ليس معه أحد من أصحابه غيري وغيرك –
فقال : نعم –
فقال لك رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : يا طلحة إنه ليس من نبي إلا ومعه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة ، وإن عثمان بن عفان هذا – يعنيني – رفيقي في الجنة ؟ . 
فقال طلحة : اللهم نعم .
ثم انصرف .
لم يخرجوه . 

طريق أخرى : قال عبد الله بن أحمد : حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي ، ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري ، ثنا هلال بن حق ، عن الجريري ، عن ثمامة بن حزن القشيري .
قال : شهدت الدار يوم أصيب عثمان ، فاطلع عليهم اطلاعة ، فقال : ادعوا لي صاحبيكم اللذين ألباكم علي ، فدعيا له فقال : أنشدكما الله ، أتعلمان أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لما [ ص: 290 ] قدم المدينة ضاق المسجد بأهله .
فقال : من يشتري هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين وله خير منها في الجنة ؟ .
فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين ، وأنتم تمنعوني أن أصلي فيه ركعتين !
ثم قال : أنشدكم الله أتعلمون أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا بئر رومة .
فقال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين ، وله خير منها في الجنة ؟ 
فاشتريتها من خالص مالي وأنتم تمنعوني أن أشرب منها !
ثم قال : هل تعلمون أني صاحب جيش العسرة ؟
قالوا : اللهم نعم . 
وقد رواه الترمذي عن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي وعباس الدوري وغير واحد . وأخرجه النسائي عن زياد بن أيوب . كلهم عن سعيد بن عامر ، عن يحيى بن أبي الحجاج المنقري ، عن سعيد الجريري به . وقال الترمذي حسن . 

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الصمد ، ثنا القاسم – يعني ابن الفضل – ثنا عمرو بن مرة ، عن سالم بن أبي الجعد [ ص: 291 ] 
قال : دعا عثمان رجالا من أصحاب رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فيهم عمار بن ياسر .
فقال : إني سائلكم وإني أحب أن تصدقوني ، نشدتكم الله ، أتعلمون أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان يؤثر قريشا على سائر الناس ، ويؤثر بني هاشم على سائر قريش ؟ 
فسكت القوم .
فقال عثمان : لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها بني أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم .
فبعث إلى طلحة والزبير .
فقال عثمان : ألا أحدثكما عنه – يعني عمارا – أقبلت مع رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، آخذا بيدي نتمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه وأمه وعليه يعذبون .
فقال أبو عمار : يا رسول الله ، الدهر هكذا ؟
فقال له النبي ، صلى الله عليه وسلم : ” اصبر ” .
ثم قال : ” اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت ” . تفرد به أحمد ،ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب . 

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا إسحاق بن سليمان ، سمعت مغيرة بن مسلم أبا سلمة يذكر عن مطر ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه وهو محصور .
فقال : علام تقتلوني ؟ فإني سمعت [ ص: 292 ] رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ؛ رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم ، أو قتل عمدا فعليه القود ، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل . فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام ، ولا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه ، ولا ارتددت منذ أسلمت ؛ إني أشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا عبده ورسوله . ورواه النسائي ، عن أحمد بن الأزهر ، عن إسحاق بن سليمان به . 

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا عفان ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا يحيى بن سعيد ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف قال :
كنت مع عثمان في الدار وهو محصور .
قال : وكنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط .
قال : فدخل عثمان يوما لحاجة ، فخرج إلينا منتقعا لونه ، فقال : إنهم ليتوعدوني بالقتل آنفا .
قال : قلنا : يكفيكهم الله يا أمير المؤمنين .
قال : فقال : وبم يقتلوني ؟ فإني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ؛ رجل كفر بعد إسلامه ، أو زنى بعد إحصانه ، أو قتل نفسا بغير نفس . فوالله ما زنيت في جاهلية ولا إسلام قط ، ولا تمنيت بدلا بديني مذ هداني الله له ، ولا قتلت نفسا ، فبم يقتلوني ؟ . وقد رواه أهل [ ص:293 ] ” السنن الأربعة ” من حديث حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن أبي أمامة – زاد النسائي : وعبد الله بن عامر بن ربيعة – قالا : كنا مع عثمان . فذكره . وقالالترمذي : حسن ، وقد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه . 

طريق أخرى : قال الإمام أحمد : حدثنا قطن ، حدثنا يونس – يعني ابن أبي إسحاق – عن أبيه ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن .
قال : أشرف عثمان من القصر وهو محصور .
فقال : أنشد بالله من شهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم حراء ، إذ اهتز الجبل فركله بقدمه ، ثم قال : اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد ، وأنا معه .
فانتشد له رجال .
قال : أنشد بالله من شهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يوم بيعة الرضوان ، إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال : ” هذه يدي وهذه يد عثمان “فبايع لي ؟
فانتشد له رجال .
قال : أنشد بالله من شهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، قال من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد ببيت في الجنة؟ فابتعته من مالي فوسعت به المسجد ؟
فانتشد له رجال .
قال : وأنشد بالله من شهد رسول الله يوم جيش العسرة قال : من ينفق اليوم نفقة متقبلة ؟ .
فجهزت نصف الجيش من مالي ؟
فانتشد له رجال .
وأنشد بالله من [ ص: 294 ] شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل ، فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل ؟
قال : فانتشد له رجال . ورواه النسائي ، عن عمران بن بكار ، عنخطاب بن عثمان ، عن عيسى بن يونس بن أبي إسحاق ، عن أبيه ، عن جده أبي إسحاق السبيعي به . 

وقد ذكر ابن جرير أن عثمان ، رضي الله عنه ، لما رأى ما فعله هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار ، من محاصرته في داره ، ومنعه الخروج إلى المسجد ، كتب إلى معاوية بالشام ، وإلى ابن عامر بالبصرة ، وإلى أهل الكوفة ، يستنجدهم في بعث جيش يطردون هؤلاء من المدينة ، فبعث معاوية حبيب بن مسلمة ، وانتدب يزيد بن أسد القسري في جيش ، وبعث أهل الكوفة جيشا ، وأهل البصرة جيشا ، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار ، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان ، رضي الله عنه ، كما سنذكره . 

وذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي ، ووضعت لعثمان وسادة في كوة من داره ، فأشرف على الناس فقال له عثمان : يا أشتر ماذا يريدون ؟
فقال : إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الإمرة ، وإما أن تقيد من نفسك من قد ضربته ، أو جلدته ، أو حبسته ، وإما أن يقتلوك . 

[ ص: 295 ] وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار ويولي عليها من يريدون هم ، وإن لم يعزل نفسه ، أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر . 
فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه ، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم ، وما فعل من الأمر ما يستحق بسببه القتل ، واعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن .
وأما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل ولا ينزع قميصا قمصه الله إياه ، ويترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض ، وقال لهم فيما قال : وأي شيء إلي من الأمر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته ، وكلما رضيتم عنه وليته ؟
وقال لهم فيما قال : والله لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي أبدا ، ولا تصلوا جميعا أبدا ، ولا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا . وقد صدق ، رضي الله عنه فيما قال . 

وقال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، ثنا معاوية بن صالح ، عن ربيعة بن يزيد ، عن عبد الله بن أبي قيس ، حدثني النعمان بن بشير .
قال : كتب معي معاوية إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه ، فحدثتني أنها سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول لعثمان : إن الله لعله يقمصك قميصا فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه ثلاث مرات. 
قال النعمان : فقلت يا أم المؤمنين ، فأين كنت عن هذا الحديث ؟
فقالت : يا بني ، والله أنسيته .
وقد رواه [ ص: 296 ] الترمذي من حديث الليث ، عن معاوية بن صالح عنربيعة بن يزيد ، عن عبد الله بن عامر ، عن النعمان ، عن عائشة به .
ثم قال : هذا حديث حسن غريب . ورواه ابن ماجه من حديث الفرج بن فضالة ، عن ربيعة بن يزيد ، عن النعمان فأسقط عبد الله بن عامر 

قال الإمام أحمد : حدثنا يحيى بن إسماعيل ، ثنا قيس ، عن أبي سهلة ، عن عائشة قالت : قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم : ” ادعوا لي بعض أصحابي ” .
قلت : أبو بكر ؟ 
قال : ” لا ” .
قلت : عمر ؟ 
قال : ” لا ” .
قلت : ابن عمك علي ؟ 
قال : ” لا ” .
قالت : قلت : عثمان ؟ 
قال : ” نعم ” .
فلما جاء قال : تنحي .
فجعل يساره ولون عثمان يتغير .
فلما كان يوم الدار وحصر فيها قلنا : يا أمير المؤمنين ألا تقاتل ؟
قال : لا ؛ إن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عهد إلي عهدا وإني صابر نفسي عليه . تفرد به أحمد .

وقال محمد بن عائذ الدمشقي : حدثنا الوليد بن مسلم ، ثنا عبد الله بن لهيعة ، عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفهمي يقول : قدمت على [ ص: 297 ] عثمان فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت على عثمان فأعلمته .
فقال : وكيف رأيتهم ؟
فقلت : رأيت في وجوههم الشر ، وعليهم ابن عديس البلوي ، فصعد ابن عديس منبر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، فصلى بهم الجمعة وتنقص عثمان في خطبته .
فدخلت على عثمان فأخبرته بما قام فيهم .
فقال : كذب والله ابن عديس ، ولولا ما ذكر ما ذكرت ذلك ، إني لرابع أربعة في الإسلام ، ولقد أنكحني رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ابنته ، ثم توفيت ، فأنكحني ابنته الأخرى ، والله ولا زنيت ولا سرقت في جاهلية ولا إسلام ، ولا تعتيت ولا تمنيت منذ أسلمت ، ولا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولقد جمعت القرآن على عهد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ولا أتت علي جمعة إلا وأنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت ، إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية . 
ورواه يعقوب بن سفيان عن عبد الله بن أبي بكر عنابن لهيعة قال : لقد اختبأت عند ربي عشرا فذكرهن . 

[ ص: 298 ] فصل 
كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة ، فلما كان قبل ذلك بيوم ، قال عثمان للذين عنده في الدار من أبناء المهاجرين والأنصار -وكانوا قريبا من سبعمائة ؛ فيهم عبد الله بن عمر ، وعبد الله بن الزبير ، والحسن ، والحسين ، ومروان ، وأبو هريرة ، وخلق من مواليه ، ولو تركهم لمنعوه .
فقال لهم : أقسم على من لي عليه حق أن يكف يده ، وأن ينطلق إلى منزله .
وعنده من أعيان الصحابة وأبنائهم جم غفير .
وقال لرقيقه : من أغمد سيفه فهو حر .
فبرد القتال من داخل الدار ، وحمي من خارج ، واشتد الأمر وكان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلت على اقتراب أجله ، فاستسلم لأمر الله رجاء موعوده ، وشوقا إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وليكون خير ابني آدم حيث قال حين أراد أخوه قتله : إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين [ المائدة : 29 ] . وروي أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار بعد أن عزم عليهم في الخروج ، الحسن بن علي وقد جرح ، وكان أمير الحرب على أهل الدار عبد الله بن الزبير ، رضي الله عنهم . 

وروى موسى بن عقبة ، عن سالم أو نافع ، أن ابن عمر لم يلبس سلاحه [ ص: 299 ] بعد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلا يوم الدار ، ويوم نجدة الحروري 

قال أبو جعفر الرازي ، عن أيوب السختياني ، عن نافع ، عن ابن عمر أن عثمان ، رضي الله عنه .
أصبح يحدث الناس قال : رأيت النبي ، صلى الله عليه وسلم ، في المنام .
فقال : ” يا عثمان أفطر عندنا ” .
فأصبح صائما وقتل من يومه . 

وقال سيف بن عمر ، عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم .
عن رجل قال : دخل عليه كثير بن الصلت .
فقال : يا أمير المؤمنين ، اخرج فاجلس بالفناء ، فيرى وجهك ، فإنك إن فعلت ارتدعوا .
فضحك ، وقال : يا كثير رأيت البارحة وكأني دخلت على نبي الله ، صلى الله عليه وسلم ، وعنده أبو بكر وعمر ، فقال : ” ارجع فإنك مفطر عندي غدا ” .
ثم قال عثمان: ولن تغيب الشمس والله غدا – أو كذا وكذا – إلا وأنا من أهل الآخرة .
قال : فوضع سعد وأبو هريرة السلاح ، وأقبلا حتى دخلا على عثمان . 

وقال موسى بن عقبة : حدثني أبو علقمة – مولى لعبد الرحمن بن عوف – حدثني ابن الصلت .
قال : أغفى عثمان بن عفان في اليوم الذي قتل 
[ ص: 300 ] فيه فاستيقظ فقال : لولا أن يقول الناس : تمنى عثمان أمنية لحدثتكم .
قال : قلنا أصلحك الله ، حدثنا فلسنا نقول ما يقول الناس . فقال : إني رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في منامي هذا فقال : ” إنك شاهد معنا الجمعة ” . 

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي ، ثنا خلف بن تميم ، ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي ، ثنا عبد الملك بن عمير ، حدثني كثير بن الصلت.
قال : دخلت على عثمان وهو محصور .
فقال لي : يا كثير ، ما أراني إلا مقتولا يومي هذا .
قال : قلت : ينصرك الله على عدوك يا أمير المؤمنين .
قال : ثم أعاد علي فقلت : وقت لك في هذا اليوم شيء ، أو قيل لك شيء ؟
قال : لا ، ولكني سهرت في ليلتي هذه الماضية ، فلما كان عند السحر أغفيت إغفاءة ، فرأيت فيما يرى النائم رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ،وأبا بكر وعمر ، ورسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول لي : يا ” عثمان الحقنا لا تحبسنا ، فإنا ننتظرك ” .
قال : فقتل من يومه ذلك . 

وقال ابن أبي الدنيا : حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا يزيد بن هارون ، عن فرج بن فضالة ، عن مروان بن أبي أمية عن عبد الله بن سلام .
قال : أتيت عثمان لأسلم عليه وهو محصور ، فدخلت عليه فقال : مرحبا بأخي ، رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، الليلة في هذه الخوخة –
قال : وخوخة في البيت –
فقال : ” يا عثمان حصروك ؟ ” .
قلت : نعم .
قال : ” عطشوك ؟ ” .
قلت : نعم .
فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت ، حتى إني لأجد برده بين ثديي بين كتفي .
وقال [ ص: 301 ] لي : ” إن شئت نصرت عليهم وإن شئت أفطرت عندنا ” .
فاخترت أن أفطر عنده . فقتل ذلك اليوم . 

وقال محمد بن سعد : ثنا محمد بن عمر ، أنا عفان بن مسلم ، ثنا وهيب ، ثنا داود عن زياد بن عبد الله ، عن أم هلال بنت وكيع .
عن امرأة عثمان – قال : وأحسبها بنت الفرافصة- 
قالت : أغفى عثمان فلما استيقظ .
قال : إن القوم يقتلونني .
قلت : كلا يا أمير المؤمنين .
قال : إني رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، وأبا بكر وعمر فقالوا : ” أفطر عندنا الليلة ” .
أو : ” إنك تفطر عندنا الليلة ” . 

وقال الهيثم بن كليب : حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ، ثنا شبابة ، ثنا يحيى بن أبي راشد مولى عمر بن حريث ، عن محمد بن عبد الرحمن الجرشي ، وعقبة بن أسيد ، عنالنعمان بن بشير .
عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية – امرأة عثمان – قالت : لما حصر عثمان ظل اليوم الذي كان قبل قتله صائما ، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب ، فأبوا عليه .
وقالوا : [ ص: 302 ] دونك ذلك الركي – وركي في الدار الذي يلقى فيه النتن –
قالت : فلم يفطر .
فأتيت جارات لنا على أجاجير متواصلة – وذلك في السحر – فسألتهم الماء العذب فأعطوني كوزا من ماء .
فأتيته فقلت : هذا ماء عذب أتيتك به .
قالت : فنظر فإذا الفجر قد طلع .
فقال : إني أصبحت صائما .
قالت : فقلت : ومن أين ولم أر أحدا أتاك بطعام ولا شراب ؟ فقال : إني رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، اطلع علي من هذا السقف ومعه دلو من ماء فقال : ” اشرب يا عثمان ” . 
فشربت حتى رويت .
ثم قال : ” ازدد ” .
فشربت حتى نهلت ثم قال : ” أما إن القوم سيبكرون عليك ، فإن قاتلتهم ظفرت ، وإن تركتهم أفطرت عندنا ” .
قالت : فدخلوا عليه من يومه فقتلوه . 

وقال أبو يعلى الموصلي ، وعبد الله بن الإمام أحمد : حدثني عثمان [ ص: 303 ] بن أبي شيبة ، ثنا يونس بن أبي يعفور العبدي ، عن أبيه ، عن مسلم أبي سعيد مولى عثمان بن عفان .
أن عثمان أعتق عشرين مملوكا .
ودعا بسراويل فشدها ولم يلبسها في جاهلية ولا إسلام.
وقال : إني رأيت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في المنام وأبا بكروعمر وإنهم قالوا لي : ” اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة ” .
ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه ، فقتل وهو بين يديه . 
قلت : إنما لبس السراويل ، رضي الله عنه ، في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل ; فإنه كان شديد الحياء ، كانت تستحيي منه الملائكة ، كما نطق بذلك النبي ، صلى الله عليه وسلم .
ووضع بين يديه المصحف يتلو فيه ، واستسلم لقضاء الله ، عز وجل ، وكف يده عن القتال ، وأمر الناس وعزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه ، ولولا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه ، ولكن كان أمر الله قدرا مقدورا . 

وقال هشام بن عروة ، عن أبيه : إن عثمان ، رضي الله عنه ، أوصى إلى الزبير . 

وقال الأصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه قال : لما قتل عثمان فتشوا خزائنه فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ، ففتحوه فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها : هذه وصية عثمان: بسم الله الرحمن الرحيم ، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، وأن الجنة حق ، وأن النار حق ، وأن الله يبعث من في القبور ، ليوم لا ريب فيه ، إن الله لا يخلف الميعاد ، عليها يحيا وعليها يموت ، وعليها يبعث إن شاء الله تعالى . 

[ ص: 304 ] وروى ابن عساكر أن عثمان ، رضي الله عنه ، قال يوم دخلوا عليه فقتلوه : 
أرى الموت لا يبقي عزيزا ولم يدع لعاد ملاذا في البلاد ومرتقى
وقال أيضا : 
يبيت أهل الحصن والحصن مغلق ويأتي الجبال في شماريخها العلا

 

البداية و النهاية : سنة ثلاثة وثلاثون للهجرة

فيها كان فتح قبرس في قول أبي معشر وخالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم .

وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية حين نقض أهلها العهد .

وفيها سير أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام ، وكان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر ، فكتب إلى عثمان في أمرهم ، فكتب إليهعثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام ، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد خرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم . فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد ، فأجابه متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة ، فاحتملهم معاوية لحلمه ، وأخذ في مدح قريش – وكانوا قد نالوا منهم – وأخذ في المدح لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، والثناء عليه والصلاة والتسليم ، وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه ، وقال فيما قال : وأظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما . فقال له صعصعة بن صوحان : كذبت ، قد ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبي سفيان ؛ من خلقه الله [ ص: 259 ] بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البر والفاجر ، والأحمق والكيس . ثم بذل لهم النصح مرة أخرى ، فإذا هم يتمادون في غيهم ، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم ، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام ؛ لئلا يشوشوا عقول الطغام ، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش ، كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه ؛ من نصرة الدين ، وقمع المفسدين . وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب ، وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص ، وكانوا عشرة ، وقيل : تسعة ، وهو الأشبه ، منهم كميل بن زياد ، والأشتر النخعي – واسمه مالك بن الحارث ، وصعصعة بن صوحان ، وأخوه زيد بن صوحان ، ومالك بن كعب الأرحبي، والأسود بن يزيد ، وعلقمة بن قيس النخعيان ، وثابت بن قيس النخعي ، وجندب بن زهير العامري ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد ، وعمرو بن الحمق الخزاعي .فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة ، فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد – وكان نائبا على الجزيرة ، ثم ولي حمص بعد ذلك – فهددهم وتوعدهم ؛ فاعتذروا إليه ، وأنابوا إلى الإقلاع عما كانوا عليه ، فدعا لهم وسير مالكا الأشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ؛ ليعتذر [ ص: 260 ] إليه عن أصحابه بين يديه ، فقبل ذلك منهم وكف عنهم ، وخيرهم أن يقيموا حيث أحبوا ، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقدموا عليه حمص ، فأمرهم بالمقام بالساحل ، وأجرى عليهم الرزق . ويقال : بل لما مقتهم معاوية ، كتب فيهم إلى عثمان ، فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة ، فردهم إليه ، فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة ، وأكثر شرا ، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان ، فأمره أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص ، وأن يلزموا الدروب .

وفي هذه السنة سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام ، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله ، رضي الله عنه ، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه ، وهم الظالمون في ذلك وهو البار الراشد ، رضي الله عنه .

وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وتقبل الله منه .

 

البداية و النهاية : سنة ثﻻث و ثﻻثين للهجرة

فيها كان فتح قبرس في قول أبي معشر وخالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم . 

وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية ثانية حين نقض أهلها العهد . 

وفيها سير أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام ، وكان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر ، فكتب إلى عثمان في أمرهم ، فكتب إليهعثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام ، وكتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد خرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم وأكرمهم وتألفهم . فلما قدموا أنزلهم معاوية وأكرمهم واجتمع بهم ووعظهم ونصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة وترك الانفراد والابتعاد ، فأجابه متكلمهم والمترجم عنهم بكلام فيه بشاعة وشناعة ، فاحتملهم معاوية لحلمه ، وأخذ في مدح قريش – وكانوا قد نالوا منهم – وأخذ في المدح لرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، والثناء عليه والصلاة والتسليم ، وافتخر معاوية بوالده وشرفه في قومه ، وقال فيما قال : وأظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما . فقال له صعصعة بن صوحان : كذبت ، قد ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبي سفيان ؛ من خلقه الله [ ص: 259 ] بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأمر الملائكة فسجدوا له فكان فيهم البر والفاجر ، والأحمق والكيس . ثم بذل لهم النصح مرة أخرى ، فإذا هم يتمادون في غيهم ، ويستمرون على جهالتهم وحماقتهم ، فعند ذلك أخرجهم من بلده ونفاهم عن الشام ؛ لئلا يشوشوا عقول الطغام ، وذلك أنه كان يشتمل مطاوي كلامهم على القدح في قريش ، كونهم فرطوا وضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه ؛ من نصرة الدين ، وقمع المفسدين . وإنما يريدون بهذا التنقيص والعيب ورجم الغيب ، وكانوا يشتمون عثمان وسعيد بن العاص ، وكانوا عشرة ، وقيل : تسعة ، وهو الأشبه ، منهم كميل بن زياد ، والأشتر النخعي – واسمه مالك بن الحارث ، وصعصعة بن صوحان ، وأخوه زيد بن صوحان ، ومالك بن كعب الأرحبي، والأسود بن يزيد ، وعلقمة بن قيس النخعيان ، وثابت بن قيس النخعي ، وجندب بن زهير العامري ، وجندب بن كعب الأزدي ، وعروة بن الجعد ، وعمرو بن الحمق الخزاعي .فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة ، فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد – وكان نائبا على الجزيرة ، ثم ولي حمص بعد ذلك – فهددهم وتوعدهم ؛ فاعتذروا إليه ، وأنابوا إلى الإقلاع عما كانوا عليه ، فدعا لهم وسير مالكا الأشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ؛ ليعتذر [ ص: 260 ] إليه عن أصحابه بين يديه ، فقبل ذلك منهم وكف عنهم ، وخيرهم أن يقيموا حيث أحبوا ، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، فقدموا عليه حمص ، فأمرهم بالمقام بالساحل ، وأجرى عليهم الرزق . ويقال : بل لما مقتهم معاوية ، كتب فيهم إلى عثمان ، فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة ، فردهم إليه ، فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة ، وأكثر شرا ، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان ، فأمره أن يسيرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص ، وأن يلزموا الدروب . 

وفي هذه السنة سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام ، وإلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله ، رضي الله عنه ، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه ويمالئ الأعداء في الحط والكلام فيه ، وهم الظالمون في ذلك وهو البار الراشد ، رضي الله عنه . 

وفي هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان ، رضي الله عنه ، وتقبل الله منه .

 

البداية و النهاية : ذكر مجيء الأحزاب إلى عثمان للمرة الثانية من مصرج3

وسبب ذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان وغضب علي على عثمان بسببه ، و وجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير ، وتكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل البصرة و تراسلوا ، وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة وعلى لسان علي وطلحة والزبير ، يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين ، وأنه أكبر الجهاد اليوم . 

وقال سيف بن عمر التميمي ، عن محمد وطلحة وأبي حارثة وأبي عثمان – وقاله غيرهم أيضا – قالوا : لما كان في شوال سنة خمس وثلاثين ( هجرية) ، خرج أهل مصر في أربع رفاق على أربعة أمراء ؛ المقلل لهم يقول : ستمائة . والمكثر يقول : ألف . على الرفاق عبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكنانة بن [ ص: 278 ] بشر التجيبي ، وعروة بن شييم الليثي ، وسودان بن حمران السكوني ، وقتيرة السكوني ، وعلى القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي ، وخرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا ، ومعهم ابن السوداء ، وكان أصله ذميا ، فأظهر الإسلام وأحدث بدعا قولية وفعلية – قبحه الله – وخرج أهل الكوفة في أربع رفاق ، وأمراؤهم زيد بن صوحان ، والأشتر النخعي ، وزياد بن النضر الحارثي ، وعبد الله بن الأصم ، وعلى الجميع عمرو بن الأصم ، وخرج أهل البصرة أيضا في أربع رايات مع حكيم بن جبلة العبدي ، وبشر بن شريح بن ضبيعة القيسي ، وذريح بن عباد العبدي ،وابن محرش الحنفي ، وعليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي . وأهل مصر مصرون على ولاية علي بن أبي طالب ، وأهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير ، وأهل البصرة [ص: 279 ] مصممون على تولية طلحة . لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم ، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة – كما تواعدوا في كتبهم – في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب ، وطائفة بالأعوص ، والجمهور بذي المروة ، وهم على وجل من أهل المدينة ، فبعثوا قصادا وعيونا بين أيديهم ؛ ليختبروا الناس ويخبروهم أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره ، وليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله ، ما جئنا إلا لذلك ، واستأذنوا في الدخول ، فكل الناس أبى دخولهم ، ونهى عنه ، فتجاسروا واقتربوا من المدينة .وجاءت طائفة من المصريين إلى علي وهو في عسكر عند أحجار الزيت ، عليه حلة أفواف ، معتم بشقيقة حمراء يمانية ، متقلدا السيف ، وليس عليه قميص ، وقد سرح ابنه الحسن إلى عثمان في من اجتمع إليه ، فسلم عليه المصريون فصاح بهم وأطردهم .
وقال : لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة وذي خشب ملعونون على لسان محمد ، صلى الله عليه وسلم ، فارجعوا لا صبحكم الله .
قالوا : نعم .
وانصرفوا من عنده على ذلك ، وأتى البصريون طلحة وهو في جماعة أخرى إلى جنب علي – وقد أرسل ابنيه إلى عثمان- فسلموا عليه ، فصاح بهم وأطردهم .
وقال لهم كما قال علي لأهل مصر ، وكذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة . 
فرجع كل فريق منهم إلى قومهم وأظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم ، وساروا أياما راجعين ، ثم [ ص: 280 ] كروا عائدين إلى المدينة ، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير ، وإذا القوم قد زحفوا على المدينةوأحاطوا بها ، وجمهورهم عند دار عثمان بن عفان .
وقالوا للناس : من كف يده فهو آمن .
فكف الناس ولزموا بيوتهم ، وأقام الناس على ذلك أياما . هذا كله ولا يدري الناس ما القوم صانعون ولا على ما هم عازمون ، وفي كل ذلك وأمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس ، فيصلي وراءه أهل المدينة وأولئك الآخرون ، وذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم ويعذلونهم على رجوعهم .
حتى قال علي لأهل مصر : ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟
فقالوا : وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا . وكذلك قال البصريون لطلحة ، والكوفيون للزبير . 
وقال أهل كل مصر : إنما جئنا لننصر أصحابنا .
فقال لهم الصحابة : كيف علمتم بذلك من أصحابكم وقد افترقتم وصار بينكم مراحل ؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه . فقالوا : ضعوه على ما أردتم ، لا حاجة لنا في هذا الرجل ، ليعتزلنا ونحن نعتزله .
يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا . 

وكان المصريون – فيما ذكر – لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير ، فأخذوه ، ففتشوه ، فإذا معه في إدواة كتاب على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم ، وبصلب آخرين ، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم .
وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان والبريد أحد غلمان عثمان ، وعلى جمل عثمان ، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب وداروا به على الناس ، فكلم الناس أمير [ ص: 281 ] المؤمنين في ذلك .
فقال : بينة علي بذلك ، وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت ، ولا دريت بشيء من ذلك ، والخاتم قد يزور على الخاتم . فصدقه الصادقون في ذلك ، وكذبه الكاذبون .
ويقال : إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبي سرح ويولي محمد بن أبي بكر ، فأجابهم إلى ذلك فلما رجعوا وجدوا ذلك البريد ومعه الكتاب بقتل محمد بن أبي بكر وآخرين معه ، فرجعوا وقد حنقوا عليه حنقا شديدا ، وطافوا بالكتاب على الناس فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس. 

وروى ابن جرير ، من طريق محمد بن إسحاق ، عن عمه عبد الرحمن بن يسار ، أن الذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي على جمل لعثمان .وذكر ابن جرير ، من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه .
وهذا كذب على الصحابة ، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم ، كما كتبوا من جهة علي وطلحة والزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها ، وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا ، فإنه لم يأمر به ولم يعلم به أيضا . 

واستمر عثمان يصلي بالناس في تلك الأيام كلها ، وهم أحقر في عينه من التراب ، فلما كان في بعض الجمعات وقام على المنبر ، وفي يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، في خطبته ، وكذلك أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، من بعده ، فقام إليه رجل من أولئك فسبه ونال منه ، وأنزله عن المنبر ، [ ص: 282 ] فطمع الناس فيه من يومئذ ، كما قال الواقدي : حدثني أسامة بن زيد ، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب .
عن أبيه قال : بينا أنا أنظر إلى عثمان يخطب على عصا النبي ، صلى الله عليه وسلم ، التي كان يخطب عليها وأبو بكر وعمر .
فقال له جهجاه : قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر .
وأخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها ، فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة فرأيتها تدود ، فنزل عثمان وحملوه وأمر بالعصا فشدوها ، فكانت مضببة ، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين ، حتى حصر فقتل . 

قال ابن جرير : حدثني أحمد بن إبراهيم ، ثنا عبد الله بن إدريس ، عن عبيد الله بن عمر ، عن نافع أن جهجاها الغفاري أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته ، فرمي في ذلك المكان بأكلة . 

وقال الواقدي : وحدثني ابن أبي الزناد ، عن موسى بن عقبة ، عن أبي حبيبة قال : خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص : يا أمير المؤمنين ، إنك قد ركبت نهابير وركبناها معك ، فتب نتب . فاستقبل عثمان [ ص: 283 ] القبلة وشهر يديه قال أبو حبيبة : فلم أر يوما أكثر باكيا ولا باكية من يومئذ .
ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاري فصاح : يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة وجامعة ، فانزل فلندرجك في العباءة ، ولنطرحك في الجامعة ، ولنحملك على الشارف ، ثم نطرحك في جبل الدخان .
فقال عثمان : قبحك الله وقبح ما جئت به .
ثم نزل عثمان . 
قال أبو حبيبة : وكان آخر يوم رأيته فيه . 

وقال الواقدي : حدثني أبو بكر بن إسماعيل ، عن أبيه ، عن عامر بن سعد قال : كان أول من اجترأ على عثمان بالمنطق السيئ جبلة بن عمرو الساعدي ، مر به عثمان وهو في نادي قومه ، وفي يد جبلة جامعة ، فلما مر عثمان سلم فرد القوم ، فقال جبلة لم تردون عليه ؟ رجل قال كذا وكذا . ثم أقبل على عثمان فقال : والله لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه . فقال عثمان : أي بطانة ؟ فوالله إني لأتخير الناس .
فقال : مروان تخيرته ؟! ومعاوية تخيرته ؟! وعبد الله بن عامر بن كريز تخيرته ؟! وعبد الله بن سعد [ ص: 284 ] بن أبي سرح تخيرته ؟! منهم من نزل القرآن بدمه ، وأباح رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، دمه . قال : فانصرف عثمان فما زال الناس مجترئين عليه إلى هذا اليوم . 

قال الواقدي : وحدثني محمد بن صالح ، عن عبيد الله بن رافع بن نقاخة .
عن عثمان بن الشريد قال : مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي وهو بفناء داره ، ومعه جامعة فقال : يا نعثل ، والله لأقتلنك ولأحملنك على قلوص جرباء ، ولأخرجنك إلى حرة النار .
ثم جاءه مرة أخرى وعثمان على المنبر فأنزله عنه . 

وذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا ، فقال في خطبته : يا هؤلاء العدا الله الله ! فوالله إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد ، صلى الله عليه وسلم ، فامحوا الخطأ بالصواب ، فإن الله لا يمحو السيئ إلا بالحسن . فقام محمد بن مسلمة فقال : أنا أشهد بذلك . فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده ، فقام زيد بن ثابت فقال : إنه في الكتاب . فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبي قتيرة فأقعده وقال فأفظع ، وثار القوم [ ص: 285 ] بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد ، وحصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه ، فاحتمل وأدخل داره ، وكان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبي بكر ، ومحمد بن جعفر ، وعمار بن ياسر . 
وأقبل علي وطلحة والزبير إلى عثمان في أناس يعودونه ويشكون إليه بثهم وما حل بالناس ، ثم رجعوا إلى منازلهم ، واستقتل جماعة من الصحابة ؛ منهم أبو هريرة ، وابن عمر ، وزيد بن ثابت ، في المحاربة عن عثمان ، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم وسكنوا حتى يقضي الله ما يشاء .

 

  البداية و النهاية:أسباب مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ج2

 السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر وولى عليها عبد الله بن سعد بن أبي سرح . 
وكان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص ، مقهورين معه لا يستطيعون أن يتكلموا بسوء في خليفة ولا أمير ، فما زالوا يعملون عليه حتى شكوه إلى عثمان ؛ لينزعه عنهم ويولي عليهم من هو ألين منه ، فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرا عن الحرب وتركه على الصلاة ، وولى على الحرب والخراج عبد الله بن سعد بن أبي سرح ، ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما ، حتى كان بينهما كلام قبيح   . فأرسل عثمان فجمع لابن أبي سرح جميع عمالة مصر ؛ خراجها وحربها وصلاتها ، وبعث إلى عمرو يقول له : لا خير لك في المقام عند من يكرهك ، فاقدم إلي . فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة وفي نفسه من عثمان أمر عظيم ، وشر كبير ، فكلمه فيما كان من أمره بنفس ، وتقاولا في ذلك ، وافتخر عمرو بن العاص بأبيه على أبي عثمان ، وأنه كان أعز منه .
فقال له عثمان : دع هذا فإنه من أمر الجاهلية . وجعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على [ ص: 271 ] عثمان . 
وكان بمصر جماعة يبغضون عثمان ويتكلمون فيه بكلام قبيح – على ما قدمنا – وينقمون عليه في عزله جماعة من علية الصحابة ، وتوليته من دونهم أو من لا يصلح عندهم للولاية . وكره أهل مصر عبد الله بن سعد بن أبي سرح بعد عمرو بن العاص ، واشتغل عبد الله بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب وفتحه بلاد البربر والأندلس وإفريقية . 

ونشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه والإنكار عليه ، وكان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة ، حتى استنفرا نحوا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب ؛ لينكروا على عثمان ، فساروا إليها تحت أربع رفاق ، وأمر الجميع إلى أبي عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي ، وعبد الرحمن بن عديس البلوي ، وكنانة بن بشر التجيبي ، وسودان بن حمران السكوني ، وأقبل معهم محمد بن أبي بكر ، وأقام بمصر محمد بن أبي حذيفة يؤلب الناس ويدافع عن هؤلاء ، وكتب عبد الله بن سعد بن أبي سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين ، فلما اقتربوا من المدينة أمر عثمان علي بن أبي طالب أن يخرج إليهم ؛ ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة . ويقال : بل ندب الناس إليهم فانتدب علي ، رضي الله عنه ، [ ص: 272 ] لذلك فبعثه وخرج معه جماعة الأشراف وأمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر ، فقال علي لعمار فأبى عمار أن يخرج معه ، فبعث عثمان سعد بن أبي وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرضه على الخروج مع علي إليهم ، فأبى عمار كل الإباء ، وامتنع أشد الامتناع ، وكان متغضبا على عثمان بسبب تأديبه له على أمر ، وضربه إياه في ذلك ، وذلك بسبب شتمه عباس بن عتبة بن أبي لهب ،فأدبهما عثمان ، فتآمر عمار عليه لذلك ، وجعل يحرض الناس عليه ، فنهاه سعد بن أبي وقاص عن ذلك ولامه عليه ، فلم يقلع عنه ولم يرجع ولم ينزع ، فانطلق علي بن أبي طالب إليهم وهم بالجحفة ، وكانوا يعظمونه ويبالغون في أمره ، فردهم وأنبهم وشتمهم ، فرجعوا على أنفسهم بالملامة ، وقالوا : هذا الذي تحاربون الأمير بسببه ، وتحتجون عليه به .
ويقال : إنه ناظرهم في عثمان ، وسألهم ماذا ينقمون عليه ؟
فذكروا أشياء ؛ منها أنه حمى الحمى ، وأنه حرق المصاحف ، وأنه أتم الصلاة ، وأنه ولى الأحداث الولايات ، وترك الصحابة الأكابر ، وأعطى بني أمية أكثر من الناس ، فأجاب علي عن ذلك
فقال : أما الحمى فإنما حماه لإبل الصدقة لتسمن ، ولم يحمه لإبله ولا لغنمه ، وقد حماه عمر من قبله .
وأما المصاحف فإنما حرق ما وقع فيه اختلاف ، وأبقى لهم المتفق عليه ، كما ثبت في العرضة الأخيرة .
وأما إتمامه الصلاة بمكة فإنه كان قد تأهل بها ونوى الإقامة [ ص: 273 ] فأتمها .
وأما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلا سويا عدلا ، وقد ولى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، عتاب بن أسيد على مكة وهو ابن عشرين سنة ، وولى أسامة بن زيد بن حارثة وطعن الناس في إمارته .
فقال : إنه لخليق للإمارة .
وأما إيثاره قومه بني أمية فقد كان رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يؤثر قريشا على الناس ، ووالله لو أن مفتاح الجنة بيدي لأدخلت بني أمية إليها . 

ويقال : إنهم عتبوا عليه في عمار ومحمد بن أبي بكر . 
فذكر عثمان عذره في ذلك ، وأنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما .
وعتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبي العاص ، وقد نفاه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، إلى الطائف فذكر أن رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده ، ثم نفاه إليها .
قال : فقد نفاه رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ثم رده . 

وروي أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة ، وجعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له . ويروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه ، فلما تمهدت الأعذار وانزاحت عللهم ولم يبق لهم شبهة أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم ، فصفح عنهم وتركهم ، رضي الله عنه ، وردهم إلى قومهم ، فرجعوا خائبين من حيث أتوا ولم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا وراموا ، ورجع علي إلى عثمان فأخبره برجوعهم عنه وسماعهم منه ، وأشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه ، ويشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك ، وأناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين [ ص: 274 ] قبله ، وأنه لا يحيد عنها كما كان الأمر أولا في مدة ست سنين الأول ، فاستمع عثمان هذه النصيحة ، وقابلها بالسمع والطاعة ، ولما كان يوم الجمعة وخطب الناس ، رفع يديه في أثناء الخطبة .
وقال : اللهم إني أستغفرك وأتوب إليك ، اللهم إني أول تائب مما كان مني . وأرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون وحصل للناس رقة شديدة على إمامهم ، وأشهد عثمان الناس على نفسه بذلك ، وأنه قد لزم ما كان عليه الشيخان أبو بكر وعمر ، رضي الله عنهما ، وأنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه ، لا يمنع أحدا من ذلك ، ونزل فصلى بالناس ، ثم دخل منزله وجعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال ، لا يمنع أحد من ذلك مدة . 

قال الواقدي : فحدثني علي بن عمر عن أبيه .
قال : ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين .
فقال له : تكلم كلاما يسمعه الناس منك ويشهدون عليك ، ويشهد الله على ما في قلبك من النزوع والإنابة ، فإن البلاد قد تمخضت عليك ، ولا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة فتقول : يا علي اركب إليهم . ويقدم آخرون من البصرة فتقول : يا علي اركب إليهم . فإن لم أفعل قطعت رحمك واستخففت بحقك ؟!
قال : فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها ، وأعلم الناس من نفسه التوبة فقام ; فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله .
ثم قال : أما بعد ، أيها الناس ، فوالله ما عاب من عاب شيئا أجهله ، وما جئت شيئا إلا وأنا أعرفه ، ولكن ضل رشدي ، ولقد سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : من زل فليتب ، ومن أخطأ فليتب ، ولا يتمادى في الهلكة ، إن من [ ص: 275 ] تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق . فأنا أول من اتعظ ، أستغفر الله مما فعلت وأتوب إليه ، فمثلي نزع وتاب ، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم ، فوالله لأكونن كالمرقوق ، إن ملك صبر ، وإن عتق شكر ، وما عن الله مذهب إلا إليه .
قال : فرق الناس له وبكى من بكى ، وقام إليه سعيد بن زيد .
فقال : يا أمير المؤمنين ، الله الله في نفسك ! فأتمم على ما قلت .
فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس ، وجاءه مروان بن الحكم .
فقال : أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت ؟
فقالت امرأة عثمان – نائلة بنت الفرافصة الكلبية – من وراء الحجاب : بل اصمت ، فوالله إنهم لقاتلوه ، ولقد قال مقالة لا ينبغي له النزوع عنها .
فقال لها : وما أنت وذاك ! فوالله لقد مات أبوك وما يحسن يتوضأ .
فقالت له : دع ذكر الآباء .
ونالت من أبيه الحكم ، فأعرض عنها مروان.
وقال لعثمان : يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت ؟
فقال له عثمان : بل تكلم .
فقال مروان : بأبي أنت وأمي لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع منيع ، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ، ولكنك قلت ما قلت حين بلغ الحزام الطبيين ، وخلف السيل الزبى ، وحين أعطى الخطة الذليلة الذليل ، والله لإقامة على خطيئة يستغفر منها ، خير من توبة تخوف عليها ، وإنك لو شئت [ص: 276 ] لعزمت التوبة ولم تقرر لنا بالخطيئة ، وقد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس . فقال عثمان : فاخرج إليهم فكلمهم ، فإني أستحي أن أكلمهم .
قال : فخرج مروان إلى الباب والناس يركب بعضهم بعضا ، فقال : ما شأنكم ؟ كأنكم قد جئتم لنهب ، شاهت الوجوه ! كل إنسان آخذ بأذن صاحبه ، ألا من أريد ؟ جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ، اخرجوا عنا ، أما والله لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسوءكم ولا تحمدوا غبه ، ارجعوا إلى منازلكم ، فوالله ما نحن مغلوبين على ما بأيدينا .
قال : فرجع الناس ، وخرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر ، فجاء علي مغضبا حتى دخل على عثمان .
فقال : أما رضيت من مروان ولا رضي منك إلا بتحويلك عن دينك وعقلك ، وإن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به ، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا نفسه ، وايم الله إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك ، وما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أذهبت شرفك ، وغلبت على أمرك . فلما خرج علي دخلت نائلة على عثمان .
فقالت : أتكلم أو أسكت ؟
فقال : تكلمي .
فقالت : سمعت قول علي أنه ليس يعاودك ، وقد أطعت مروان حيث شاء .
قال : فما أصنع ؟
قالت : تتقي الله وحده لا شريك له ، وتتبع سنة صاحبيك من قبلك ، فإنك متى أطعت مروان قتلك ، ومروان ليس له عند الله قدر ولا هيبة ولا محبة ، فأرسل إلى علي فاستصلحه ، فإن له قرابة منك وهو لا يعصى .
قال : فأرسل عثمان إلى علي فأبى أن يأتيه .
وقال : لقد أعلمته أني لست بعائد .
قال : وبلغ مروان قول نائلة فيه ، [ص: 277 ] فجاء إلى عثمان .
فقال : أتكلم أو أسكت ؟
فقال : تكلم .
فقال : إن نائلة بنت الفرافصة .
فقال عثمان : لا تذكرها بحرف فأسوء لك وجهك ، فهي والله أنصح لي منك .
قال : فكف مروان . 

 

من كتاب البداية و النهاية قصة بداية الفتنة و مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه ج1

 أبو معشر : فيها كانت غزوة الصواري . والصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك ، كما تقدم . 

وفي هذه السنة تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان ، رضي الله عنه ، وكان جمهورهم من أهل الكوفة – وهم في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة- وثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة ، وتألبوا عليه ونالوا منه ومن عثمان ، وبعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل ، وفيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة وتولية جماعة من بني أمية من أقربائه ، وأغلظوا له في القول ، وطلبوا منه أن يعزل عماله ويستبدل بهم غيرهم من السابقين ومن الصحابة ، حتى شق ذلك عليه جدا وبعث إلى أمراء الأجناد ، فأحضرهم عنده ليستشيرهم ، فاجتمع إليه معاوية بن أبي سفيان أمير الشام ، وعمرو بن العاص أمير مصر ، وعبد الله بن سعد بن أبي سرح أمير المغرب ، وسعيد بن العاصأمير الكوفة ، وعبد الله بن عامر أمير البصرة ، فاستشارهم فيما حدث من الأمر وافتراق الكلمة ، فأشار عبد الله بن عامر أن يشغلهم بالغزو عما هم فيه من الشر فلا يكون هم أحدهم إلا نفسه وما هو فيه من دبرة دابته ، وقمل [ ص: 262 ] فروته ، فإن غوغاء الناس إذا تفرغوا وبطلوا ، اشتغلوا بما لا يغني ، وتكلموا فيما لا يرضي ، وإذا تفرقوا نفعوا أنفسهم وغيرهم . وأشار سعيد بن العاص بأن يستأصل شأفة المفسدين ، ويقطع دابرهم . وأشار معاوية بأن يرد عماله إلى أقاليمهم ، وأن لا يلتفت إلى هؤلاء وما تألبوا عليه من الشر ، فإنهم أقل وأضعف جندا . وأشار عبد الله بن سعد بن أبي سرح بأن يتألفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكف به شرهم ، ويأمن غائلتهم ، ويعطف به قلوبهم إليه . وأماعمرو بن العاص فقام فقال : أما بعد يا عثمان ، فإنك قد ركبت الناس ما يكرهون ، فإما أن تعزل عنهم ما يكرهون ، وإما أن تقدم فتنزل عمالك عما هم عليه . وقال له كلاما فيه غلظة ، ثم اعتذر إليه في السر بأنه إنما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضرا من الناس إليهم ليرضوا من عثمان بهذا ، فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه ، وتألف قلوب أولئك بالمال ، وأمر بأن يبعثوا في الغزو إلى الثغور ، فجمع بين المصالح كلها ، ولما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص ، ولبسوا السلاح وحلفوا أن لا يمكنوه من الدخول عليهم حتى يعزله عثمان ويولي عليهم أبا موسى الأشعري ، وكان اجتماعهم بمكان يقال له : الجرعة . وقد قال يومئذ الأشتر النخعيوالله لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا . وتواقف الناس بالجرعة ، وأحجم سعيد عن قتالهم وصمموا [ ص: 263 ] على منعه . وقد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة ، وأبو مسعود عقبة بن عمرو ، فجعل أبو مسعود يقول : والله لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء . فجعل حذيفة يقول : والله ليرجعن ولا يكون فيها محجمة من دم ، وما أعلم اليوم شيئا إلا وقد علمته ومحمد ، صلى الله عليه وسلم ، حي . والمقصود أن سعيد بن العاص كر راجعا إلى المدينة وكسر الفتنة ، فأعجب ذلك أهل الكوفة ، وكتبوا إلىعثمان أن يولي عليهم أبا موسى الأشعري ، فأجابهم عثمان إلى ما سألوا ؛ إزاحة لعذرهم ، وإزالة لشبههم ، وقطعا لعللهم . 

وذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الأحزاب على عثمان أن رجلا يقال له : عبد الله بن سبأ . كان يهوديا فأظهر الإسلام وصار إلى مصر ، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه مضمونه أنه يقول للرجل : أليس قد ثبت أن عيسى ابن مريم سيعود إلى هذه الدنيا ؟ فيقول الرجل : بلى ! فيقول له : فرسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا وهو أشرف من عيسى ابن مريم عليه السلام ! ثم يقول : وقد كان أوصى إلى علي بن أبي طالب ؛ فمحمد خاتم الأنبياء ، وعلي خاتم الأوصياء . ثم يقول : فهو أحق بالإمرة من عثمان ، وعثمان معتد في ولايته ما ليس له . فأنكروا عليه وأظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فافتتن به بشر كثير من أهل مصر ، وكتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة والبصرة ؛ فتمالئوا على ذلك ، وتكاتبوا فيه ، وتواعدوا أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان ، وأرسلوا إليه من يناظره ويذكر له [ص: 264 ] ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه وذوي رحمه وعزله كبار الصحابة . فدخل هذا في قلوب كثير من الناس فجمع عثمان بن عفان نوابه من الأمصار ، فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له . والله أعلم . 

وقال الواقدي فيما رواه عن عبد الله بن محمد عن أبيه قال : لما كانت سنة أربع وثلاثين كثر الناس على عثمان ، ونالوا منه أقبح ما نيل من أحد ، فكلم الناس علي بن أبي طالب أن يدخل على عثمان ، فدخل عليه فقال له : إن الناس ورائي وقد كلموني فيك ، ووالله ما أدري ما أقول لك وما أعرف شيئا تجهله ولا أدلك على أمر لا تعرفه ، إنك لتعلم ما نعلم ما سبقناك إلى شيء فنخبرك عنه ، ولا خلونا بشيء فنبلغكه ، وما خصصنا بأمور عنك ، وقد رأيت وسمعت وصحبت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ونلت صهره وما ابن أبي قحافة بأولى بعمل ألحق منك ، ولا ابن الخطاب بأولى بشيء من الخير منك ، وإنك أقرب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، رحما ، ولقد نلت من صهر رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، ما لم ينالا ، ولا سبقاك إلى شيء ، فالله الله في نفسك ، فإنك والله ما تبصر من عمى ، ولا تعلم من جهل ، وإن الطريق لواضح بين ، وإن أعلام الدين لقائمة ، تعلم ياعثمان أن أفضل عباد الله عند الله إمام عادل ، هدي وهدى ، فأقام سنة معلومة ، وأمات بدعة معلومة ، فوالله إن كلا لبين ، وإن السنن لقائمة لها أعلام ، وإن البدع [ ص: 265 ] لقائمة لها أعلام ، وإن شر الناس عند الله إمام جائر ، ضل وضل به ، فأمات سنة معلومة ، وأحيا بدعة متروكة ، وإني سمعت رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يقول : يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر وليس معه نصير ولا عاذر ، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم . وإني أحذرك الله وأحذرك سطوته ونقمته ، فإن عذابه شديد أليم ، واحذر أن تكون إمام هذه الأمة المقتول ، فإنه كان يقال : يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل والقتال إلى يوم القيامة ، وتلبس أمورها عليها ، ويتركون شيعا لا يبصرون الحق من الباطل ، يموجون فيها موجا ، ويمرجون فيها مرجا . فقال عثمان : قد والله علمت لتقولن الذي قلت ، أما والله لو كنت مكاني ما عنفتك ولا أسلمتك ، ولا عبت عليك ، ولا جئت منكرا أن وصلت رحما ، وسددت خلة ، وأويت ضائعا ، ووليت شبيها بمن كان عمر يولي ، أنشدك الله يا علي هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك ؟ قال : نعم . قال : فتعلم أن عمر ولاه ؟ قال : نعم . قال : فلم تلومني أن وليت ابن عامر في رحمه وقرابته ؟ فقال علي : سأخبرك ، إن عمر كان كل من ولى فإنما يطأ على صماخيه ، وإن بلغه عنه حرف ، جاء به ، ثم بلغ به أقصى الغاية في العقوبة ، [ ص: 266 ] وأنت لا تفعل ، ضعفت ورفقت على أقربائك . فقال عثمان : هم أقرباؤك أيضا . فقال علي :لعمري إن رحمهم مني لقريبة ، ولكن الفضل في غيرهم . قال عثمان : هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها ؟ فقد وليته . فقال علي : أنشدك الله هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه ؟ قال : نعم . قال علي : فإن معاوية يقطع الأمور دونك وأنت تعلمها ، ويقول للناس : هذا أمر عثمان . فيبلغك ولا تغير على معاوية .ثم خرج علي من عنده ، وخرج عثمان على إثره ، فصعد المنبر ، فخطب الناس فوعظ ، وحذر وأنذر ، وتهدد وتوعد ، وأبرق وأرعد ، فكان فيما قال : ألا فقد والله عبتم علي بما أقررتم به لابن الخطاب ، ولكنه وطئكم برجله ، وضربكم بيده ، وقمعكم بلسانه ، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ، ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي ، وكففت يدي ولساني عنكم ، فاجترأتم علي ، أما والله لأنا أعز نفرا ، وأقرب ناصرا ، وأكثر عددا ، وأقمن إن قلت : هلم . أتي إلي ، ولقد أعددت لكم أقرانكم ، وأفضلت عليكم فضولا ، وكشرت لكم عن نابي ، فأخرجتم مني خلقا لم أكن أحسنه ، ومنطقا لم أنطق به ، فكفوا ألسنتكم وطعنكم وعيبكم على ولاتكم ، فإني قد كففت عنكم من لو كان هو الذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا ، ألا فما تفقدون من حقكم ؟ فوالله ما [ ص: 267 ] قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي . ثم اعتذر عما كان يعطي أقاربه بأنه من فضل ماله . فقام مروان بن الحكم فقال : إن شئتم والله حكمنا بيننا وبينكم السيف ، نحن والله وأنتم كما قال الشاعر : 

فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم معارسكم تبنون في دمن الثرىفقال عثمان : اسكت لا سكت ، دعني وأصحابي ، ما منطقك في هذا ! ألم أتقدم إليك أن لا تنطق ! فسكت مروان ونزل عثمان ، رضي الله عنه . 

وذكر سيف بن عمر وغيره أن معاوية لما ودع عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام ، عرض عليه أن يرحل معه إلى الشام ، فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للأمراء . فقال : لا أختار بجوار رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، سواه . فقال : أجهز لك جيشا من الشام يكونون عندك ينصرونك ؟ فقال : إني أخشى أن أضيق بهم بلد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، على أصحابه من المهاجرين والأنصار . قال معاوية : فوالله يا أمير المؤمنين لتغتالن – أو قال : لتغزين – فقال عثمان : حسبي الله ونعم الوكيل . ثم خرج معاوية من عنده وهو متقلد السيف ، وقوسه في يده ، فمر على ملأ من المهاجرين ؛ فيهم علي بن أبي طالب ، وطلحة ، والزبير ، فوقف عليهم واتكأ على قوسه ، وتكلم بكلام بليغ يشتمل على الوصاة بعثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عنه والتحذير من إسلامه إلى أعدائه ، ثم انصرف ذاهبا . فقال الزبير : ما [ ص: 268 ] رأيته أهيب في عيني من يومه هذا . 

وذكر ابن جرير أن معاوية استشعر الأمر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة ، وذلك أنه سمع حاديا يرتجز في أيام الموسم في هذا العام وهو يقول : 

قد علمت ضوامر المطي وضمرات عوج القسي 
أن الأمير بعده علي وفي الزبير خلف رضي 

وطلحة الحامي لها وليفقال كعب الأحبار – وهو يسير خلف عثمان : والله إن الأمير بعده صاحب البغلة الشهباء . وأشار إلى معاوية . 

فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان ، على ما سنذكره في موضعه ، إن شاء الله ، وبه الثقة . 

قال ابن جرير : وفي هذه السنة مات أبو عبس بن جبر بالمدينة ، وهو بدري . 

[ ص: 269 ] ومات أيضا مسطح بن أثاثة ، وعاقل بن البكير . 

وحج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان ، رضي الله تعالى عنه .